الاقتصاد الحر …. الذي لم يعد حراً

علي الأسدي

في عام 1848 عمت الثورات في خمسين بلدا أوربيا وأمريكو-لاتينيا ، حينها لم تكن بينها صلات وتعاونا مشتركا ، لكن التذمر الذي كانت تشعر به المجتمعات من القادة والانظمة السياسية والاقتصادية السائدة حينذاك قد وحد جهودها من أجل فرض ارادتها بالمشاركة في تقرير مصيرها وتحسين حياتها السياسية والاقتصادية ، لكنها مع ذلك لم تحقق الكثير بسبب قوة الحكومات وقسوتها في التعامل مع طموحات شعوبها. وقد وصف الفيلسوف والاقتصادي الفرنسي بير – جوزيف برودون ما حصل حينها ( 1809ـ 1865 ) بهذه الكلمات ـ ” لقد خسرنا وتعرضنا للاذلال والسجن ، حيث نزعت أسلحتنا ، والحلم بالديمقراطية قد تلاشى ـ “.

الآن حيث الاتصالات التي لا تعرف الحدود فان الحركة من أجل الديمقراطية وتوزيعا أكثر مساواة للدخل والثروة اقوى من سابقتها في عام 1848 ، واكثر من ذلك ان الرأسمالية قد فشلت كنظام اقتصادي لصالح المجتمع ، بل لصالح القلة من حكامه وأثريائه. ومع قوة الحركة العمالية واتساع الحركة المعادية للراسمالية ماتزال القوى الثورية عاجزة عن الاطاحة بسلطات رأس المال وتشكيل حكومات تمثل بحق هموم شعوبها وتنفذ مصالحها الاقتصادية والاجتماعية. (1) 
ليس هناك أي شك بأن الرأسماليين والحكومات الممثلة لهم يخشون من تصاعد العداء ضد الرأسمالية ، وبخاصة نمو الفكر الاشتراكي الذي يعكس تنامي ثورية الطبقة العاملة كرد فعل لهجوم اليبرالية الجديدة على مكتسباتهم وحقوقهم التي يجري حرمانهم منها.وهذا ما اثبتته الأيام والأسابيع الماضية عندما جوبهت الاحتجاجات الشعبية على سياسات التقشف المفقرة في العديد من دول أوربا بالقوة المفرطة. فالاشتراكية أبعد من أن تكون انتهت من ذاكرة اليونانيين والبرتغاليين والاسبان والايطاليين ، وانها ستعود ثانية لتقود العمال والشباب للنضال من أجل مجتمع جديد. التفتت السريع للنظام الاشتراكي قد خلق حالة من الاحباط في صفوف الحركة العمالية وبعض أجنحة اليسار الماركسي ، مما جعلهم يقبلون على مضض بواقع نظام اقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر. الاقتصاد الحر في ايامنا هذه ليس اقتصادا حرا بالمعنى الذي تصوره آدم سمث ، بل اقتصادا تهيمن عليه قوى ضئيلة العدد ممثلة بالمشروعات الاحتكارية التامة واحتكار القلة ، وكلما تزايدت هيمنة هذه القوى الاحتكارية على الاقتصاد يزداد الاقتصاد ضعفا وتتناقص قدرته الذاتية في مواجهة الأزمات وحالات عدم الاستقرار والبطالة. إن بعض التنبؤاء المستخلصة من تحليل ماركس وانجلس بخصوص الحالة الاقتصادية التي يمر بها النظام الرأسمالي قد ثبتت صحتها ومصداقيتها : (2)

1- فالمنافسة التي ينطوي عليها النظام الرأسمالي ستؤدي الى تعميق التقدم التكنولوجي وتعزيزه أولا ، والى نمو الانتاج والانتاجية ثانيا.
2- ان انتاج الخيرات والثروة يتم في ظروف لا توازنية بنحو عظيم ، فالازمات المتكررة ، لا بل المتفاقمة هي أمورا مألوفة. كذلك يغدو توزيع الرفاهية أقل مساواة ، لاسيما حينما لا يأخذ المرء بالاعتبار الوضع القائم في الدول الرأسمالية فحسب ، بل حينما يسلط الضوء على الوضع القائم في العالم أجمع أيضا.
3- إن النظام الرأسمالي يتجه ” بحتمية ” معينة ، أي بناء على القوانين المتحكمة في مسيرته الى التوسع عالميا. وهنا أيضا تتخلل مراحل نموه فترات تتسم لا بالركود فحسب ، بل بتراجع التوسع على المستوى العالمي أيضا.

وهذا ما نعايشه واقعا يوميا في هذه المرحلة التي يمر بها العالم اليوم ، فأوربا والولايات المتحدة تواجهان ركودا اقتصاديا شاملا تجسده البطالة العامة في المركز الرأسمالي وفي الأطراف. ومن نتائجه المباشرة أيضا إفلاس الآلاف من المشاريع الاقتصادية ، بينما تكافح أخرى للبقاء في السوق أمام انحسار الطلب العام على السلع بسبب البطالة والعوز واتساع دائرة الفقر في أغنى دول العالم وأفقرها على حد سواء. وليس هذا فحسب ، فالتوقعات تشير الى سنوات أخرى من الركود الاقتصادي ، وأن الآمال تتضاءل في تحسن طويل الأمد في النمو الاقتصادي وفي سوق العمل بشكل خاص. وإذا ما حدث أي تحسن في معدل النمو الاقتصادي فسيكون قصير الأمد ما يلبث أن يتلاشى ، وستغرق الدول الرأسمالية من جديد في أزمة اقتصادية أعمق وأشد إيلاما. فما هي آقاق المستقبل وما هي آلية الخروج من المأزق الذي يواجه التنمية الاقتصادية في البلدان الرأسمالية المتقدمة والنامية.

الحكومات الرأسمالية اتخذت العديد من الخطوات لحشد النمو الاقتصادي ، لكنها لم تخرج بعيدا عن أدوات السياسة المالية والنقدية التي انحصرت أهدافها بوقف العجز في الميزانية الحكومية وخفض الدين العام ، مستبعدة لأسباب سياسية التدخل الحكومي المباشر في الاقتصاد ، لخشيتها من عودة الاشتراكية عبر قطاع الدولة الذي ساد في النظم الاشتراكية السابقة.

لكن آليات السياسة المالية ” المفقرة ” المتبعة حاليا ضمن ما يسمى بالتقشف لها آثارا عكسية مدمرة كابحة للنمو الاقتصادي. فعندما ترفع نسب الضرائب على دخول الطبقة العاملة والمتوسطة وعلى أولئك ممن يكابدون الفقر ، وعندما تخفض ميزانية برنامج التكافل الاجتماعي ( ميزانية اقتصاد الرخاء)، وعندما يستغنى عن عدد كبير من العاملين في المؤسسات العامة ، وعندما تخفض أجور العاملين واستحقاقات التقاعد ، فان النتيجة المباشرة لذلك هي ارتفاع معدلات البطالة وزيادة الفقراء فقرا. ولهذه الاجراءات نتائج خطيرة على فرص الانتعاش الاقتصادي فهي تخفض المقدرة الشرائية لغالبية الناس (الطلب الفعال) فتؤدي الى هبوط الميل للاستهلاك الذي يقود أوتوماتيكيا الى تناقص الميل للاستثمار الذي تعتمد عليه فرص العمل الجديدة.

فكما هو معروف ان الاستثمار في الموارد الاقتصادية ضروري ليس فقط لزيادة فرص العمل ، بل لانتاج أو زيادة انتاج سلع الاستهلاك. فلو افترضنا ان الاستهلاك الداخلي ينمو بمقدار ثابت لبقي الاستثمار الصافي ثابتا من سنة لأخرى. إلا أن الأمر يختلف حينما يطرأ تغيير على معدل الانفاق الاستهلاكي ، كأن يزداد معدل نموه ، فسيشجع ذلك على زيادة الاستثمار الصافي. ويحدث العكس حينما ينمو الانفاق الاستهلاكي بمقدار أدنى مما في الفترات السابقة ، فإن ذلك يؤدي الى انخفاض الاستثمار الصافي تبعا لذلك.

وفي الحالة التي يخفق فيها استثمار القطاع الخاص في زيادة فرص العمل في الاقتصاد الوطني ، فسيتعين حينها على الحكومة ان تقوم هي بهذا الدور من خلال زيادة استثماراتها في الاقتصاد لأجل زيادة فرص العمل ومن ثم زيادة الطلب على السلع والخدمات. استبعاد التدخل الحكومي المباشر عبر الاستثمار يحرم الاقتصاد من فرص استعادة الانتعاش والنمو الاقتصادي. الاقتصادي الألماني كارل غيور تسين يقول بهذا الصدد:- (3)

” اذا كان في وسعنا أن نستخلص شيئا من الخيارات المتاحة للسياسة الاقتصادية العملية ، فلا ريب في ان ذلك يكمن في ضرورة العودة ثانية الى السياسة الحكومية الملتزمة بخلق فرص العمل والتدخل لتحقيق الرفاهية والرعاية الاجتماعيتين ، لأن هذه السياسة كما تشهد عليها تجارب الزمن الماضي افضل السبل المطروحة لا نظريا فحسب ، بل الناجعة عمليا ايضا لبلوغ حالة التوظف الكامل ثانية وتوزيعا للدخل القومي مقبولا بمقاييس العدالة الاجتماعية. ان سياسة التدخل الحكومي هي النقيض المبدئي لسياسة ” دعه يعمل- دعه يمر ” وللتصور الزاعم بأن ” نظام السوق الحرة ” ينطوي على قوى خفية كفيلة بتحقيق الانسجام الاجتماعي والتوازن الاقتصادي المنشودين بعفوية. ومع علمنا بأن العودة الى انتهاج سياسة تدخلية توجيهية تطبق انسجاما مع المتطلبات الجديدة السائدة على المستوى الدولي وليس على مستوى الاقتصادات الوطنية فحسب ، لن تلغي الاتجاهات الطويلة الأمد التي سيتخذها تطور النظام الراسمالي ، الا اننا نرى فيها مع هذا وسيلة تقي هذا النظام من مغبة التشوهات الخطيرة وتعزز احتمال اصلاح المجتمع العالمي سلميا. ”

التجارب الانمائية السابقة منذ الثورة الصناعية التي مرت بها كل الدول الصناعية الحالية مثل بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وفرنسا شهدت دورا حكوميا رائدا ، حيث شمل استثمارات حكومية واسعة في كافة قطاعات وفروع الاقتصاد. فالصناعات المهمة أو أم الصناعات الخفيفة ، وهي الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب وانتاج الآلات والعربات والطاقة واستخراج الخامات بمختلف اصنافها وفي البنية التحتية ما تزال لحد اليوم تحمل بصمات الحكومات في تلك الدول. بعبارة أخرى أن التطور الذي تحقق في الاقتصاد والخدمات والعلوم كان قد تم بمبادرة وادارة وتمويل الدولة.

وهناك مثالا آخر للسياسة التدخلية التي قادت الى اعادة اعمار أوربا بعد الحرب العالمية الثانية ، حيث كان للدولة دورها الواسع سواء عبر التدخل المباشر ” الاستثمارات الحكومية ” أو التدخل غير المباشر عبر سياسات مالية ونقدية محفزة للقطاع الخاص لتوسيع نشاطه الاقتصادي. يقودنا هذا العرض الموجز لدور الدولة في التطوير الاقتصادي الى حقيقة هامة وهي أن تدخل الدولة المباشر يشكل ضرورة وضمانة لا غنى عنها لتحقيق التنمية الاقتصادية في البلدان الأقل تطورا اقتصاديا ، وبصورة خاصة عندما يفشل القطاع الخاص في الاستثمار في هذا المجال أو ذاك من النشاطات الاقتصادية التي تخدم تطور البلد الاقتصادي وتحسن من حياة شعبه.

وهذا ما سعت اليه النظرية الكنزية منذ ظهورها منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي. فقد تقدمت المشروعات الحكومية وفق ذلك المنظور بل ووقفت كمنافس للاستثمارات الخاصة في تحقيقها الربح. لكن لا يمكن الاعتقاد ان المشروعات الحكومية قد سعت او تسعى للربح وحده ، فالمشروعات العامة قدمت وما تزال تقدم خدمات كبيرة للمجتمع بربح أو بدون ربح ، وقد تضطر او اضطرت في ظرف ما أن تواجه خسارة بسبب المنافسة في ظل السوق الحرة. لكن تحاشي تعرض المشروع الحكومي الى خسارة كبيرة في المدى الطويل هو بحد ذاته يعتبر نجاحا في حالة اذا كان استمرارها في النشاط يخدم أهدافا عامة ، كأن تحمي العمال العاملين فيها من البطالة.(4)

وهذا ما يرفضه صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوربي والبنك الدولي ، لأنهم يتحدثون انطلاقا من مصالح رأس المال المالي العالمي الذي يروج لفكر لم تثبت صحته مطلقا ، لا بالمعايير الاقتصادية ولا بالمعايير الاجتماعية ، والذي مفاده بأن القطاع الرأسمالي الخاص هو الأكثر كفاءة لتحقيق مصلحة المجتمع في الوقت المناسب دون حاجة لتدخل الدولة.

منقول عن موقع الحوار المتمدن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s