البعثُ الثَّاني: ملاكُ التاريخِ الذي يأتي ولا يأتي.

img_3337

 

هشام عقيل صالح*

((بقوةٍ هائجة، اقبضُ واسحقُ البشرية في الغسقِ تتثاءبُ أمامنا الهاوية، ستغرقين وسأتبعكِ مقهقهاً.))

(ماركس الشاب، المسرحية الشعرية “أولانيم”، 1839)

تتعدد الحركات الاجتماعية اليوم التي لا تمت بصلة للصراع الطبقي بشكله المباشر والواضح كما كان في القرن الماضي؛ فأصبحت هناك صراعات أخرى تشكل المحور الطاغي في الصراع الذي تقوده “المجموعات” العرقية، والجندرية، والجنسانية، والبيئية، والثقافية، والطلابية، والدينية إلخ.. وهذا أكثر وضوحاً في العالم الغربي عما هو في بلداننا.

بينما تزداد هذه الحركات نمواً واتساعاً، جاذبة أكثر عدد من المؤيدين، يتناقص حجم الطبقة العاملة ومكانها في المجتمعات الرأسمالية بعمومها (حيث يصل حجم الطبقة العاملة إلى تقريبا 18% فقط من القوى العاملة). وبما إن الحركة الشيوعية هي هي حركة الطبقة العاملة يذهب الكثيرون إلى الاستنتاج القائل بأن إذا كانت الصراعات الطبقية لا تشكل المحور الرئيسي للصراع في المجتمعات “المتقدمة” و”المتأخرة” اليوم فإن هذا يعني، ومن الضروري، أن يستقيل الحزب الشيوعي من دوره التاريخي في تمثيل الطبقة العاملة، ويغدو حزباً يسارياً متأصلاً في موجة هذه الحركات؛ وهذا هو الحال في المنظمات اليسارية الغربية (ومن ضمنها الأحزاب الشيوعية) وأحزابنا العربية.

في الواقع، يتزامن صعود حركات هذه “المجموعات”، التي وجدت الحركات اليسارية نفسها ضمنها، بصعود حركات يمينية متطرفة، وفاشية، ودينية، وعنصرية، وشوفينية؛ وتزداد المواجهة بين الحركتين يوماً بعد يوم. في إحتدام المواجهة ما بين طرفين لا يمثلان، ظاهرياً، “هوية” طبقية معينة وقف الشيوعيون واليساريون مع القوى المناهضة للفاشية واليمينية المتطرفة، من دون أي تعبير “نظري” لذلك سوى التعبير “الأخلاقي”: من أجل احترام الإنسان وحقوقه إلخ، أو بإختصار: تعبير “أخلاقي” يمثل ردة فعل لما يقوم به الطرف النقيض. في الواقع الفعلي، إذن، كلما تزداد هذه الحركات في صراعها، وتشكيل محور الصراع الذي يركز عليه أغلب الناس اليوم، يجد الشيوعيون أهمية أقل للـ”عمل الشيوعي” وللشيوعية نفسها.. بما أنها لا “تعبر” عن الصراعات الدائرة اليوم.

بهذا المعنى تواجه الحركة الشيوعية اليوم أزمتين: أزمتها هي (النظرية والسياسية)، وأزمة الواقع الفعلي. ومع ذلك لا تريد الاعتراف بذلك؛ فتصف نفسها ضد الحركات اليمينية والدينية دون أي تفسير أو تحليل، غير أن “يجب الاصطفاف ضدها” بشكل “أخلاقي”. وتتعامل مع نفسها (وحلفائها) وأعداءها بمثل “المفاهيم” الكلاسيكية للصراع ما بين “اليسار” و”اليمين” أو ما بين “الثورة” و”الثورة المضادة”-حتى أن تنبأ بعض اليساريين أن “أمريكا ستتحول إلى نازية” مع صعود ترامب! لا تتجاوز، إذن، الحركة الشيوعية إطارها الكلاسيكي في فهم “الصراعات الطبقية” و”الصراعات اللاطبقية”، وتحصر نفسها في مفهومها الضيق للتحالفات الطبقية، وتعلن لنفسها بكل جرأة: كلما تضائل الصراع الطبقي العمالي (وتمثله الضيق في الصراع من أجل الأجور وحسب..ووجودها المحدود كطبقة في عالمنا المعاصر) يتضائل العمل الشيوعي في المقابل؛ بما أن الظرف “السلبي” للطبقة “السلبية” غير متوفر لعملية النفي. الواقع أيضاً أن الحركة الشيوعية اليوم لا تواجه أزماتها وهي في أوج قوتها، بل هي منهارة كلياً ومحطمة بالكامل، أو قُل: أزمتها هي هي إنهيارها؛ بذلك لا تجد نفسها إلا في المواقع التبعية التي لا تشكل سوى محاولة في الحفاظ على ماء الوجه لتاريخها، في سوء قراءة الواقع عبر منظومتها الفكرية والسياسية المنتهية صلاحيتها.

 

نعم! هذه الشيوعية، هذه الماركسية.. عليها أن تستقيل. نعم! هؤلاء الشيوعيون، هؤلاء الماركسيون.. عليهم أن يستقيلوا.

لكن.. أيمكن أن تكون هناك حركة شيوعية من نوع جديد؟ حركة شيوعية ديموقراطية جديدة؟ تبدأ من البداية نفسها؟

 

هذا ممكن إذا فهمنا واقع القوى الاجتماعية المحركة اليوم، وواقع التحالفات القائمة على التحالفات الطبقية والتحالفات الاجتماعية التي لا تتعلق بالصراع الطبقي. في الحقيقة هذه الحركات الاجتماعية الناشئة: الحركات النسوية، والمناهضة للعنصرية، والطلابية، والثقافية، والاثنو-ثقافية، ومنظمات الدفاع عن البيئة، ومجتمع الميم “LGBT”، وغيرها لا تعرف محتواها السياسي، أيّ أنها، كحركات مستقلة بذاتها، ليس لها موقعاً سياسياً أو قل: لا تعرف موقعها في السياسة، بحجة أنها حركات اجتماعية بحتة؛ وهذا صحيح من حيث طبيعتها. إذا بقت هذه الحركات بمفردها، ملتفة على ذاتها، فإنها ستفقد، عاجلاً أم آجلاً، دورها كقوى اجتماعية وستتحول إلى مجرد مجموعة من الناس المتذمرين يريدون إصلاح أوضاعهم الاجتماعية لا أكثر أو أقل (كما نجد عند منظمات الدفاع عن البيئة أو الحركات النسوية الحديثة).

إذا جمعت هذه الحركات، بحد ذاتها، وفي ذاتها، قرب بعضها البعض سيكون الأمر بالضبط مثلما لو وضع المرء آلات موسيقية: الكمان، والكونتراباس، والتشيلو، والطبول، والبيانو، والترومبت، والأوبوا، إلخ.. قرب بعضها البعض؛ من دون أي هارموني، أو إطار موسيقي، يسمح للأصوات الموسيقية أن تتركب وتوجد بشكل متعدد وتراكبي متسق ومتناسق؛ ستكون مجرد أصوات تتداخل خالية من أي معنى بنائي. لا يمكن لكمان واحد أن يعطيك أوركسترا بأكملها؛ ولا يمكن لآلات مجتمعة في كل كامل أن تعطيك موسيقى متراكبة ومتناسقة من دون قائد ومؤلف. كل آلة طبعاً لها وجودها المستقل في ذاتها، وتنتج صوتاً مميزاً بحد ذاته.. ويمكن استعمالها لأغراض شتى؛ لكن تبقى الحقيقة أن معناها سيضيع من دون وجودها التركيبي، والتراكبي، والمجمع بالآلات الأخرى؛ فبنيتها الإطارية هي التي تمنحها محتواها الموسيقي.

إذا تمكنا من رؤية هذه الحركات الاجتماعية في ضوء ما قلناه آنفاً؛ سنرى أن الوضع الراهن لهذه الحركات، بوجودها في ذاتها – رغم أن لها محتواها الخاص ومعناها الخاص واستقلالها الهوياتي، هي أنها موجودة بشكل متفرق رغم أنها تجتمع أحياناً ببعضها البعض.. لكن لا يجمعها “إسمنت” يلصقها ببعضها البعض؛ إنها تماماً مفقودة من أي محتوى- غير محتواها هي، أعني: أنها مفقودة تماماً من أي محتوى سياسي.. لأنها ليس بإمكانها أن تعطي لنفسها هذا المحتوى السياسي، أو قل: لأنها ليس في الموقع الذي يسمح لها ذلك. طبعاً في حالة القوى الاجتماعية التي لها المصلحة في التغيير مؤلفها لن يكون “طبقة” أو “إله” أو “عملية ديالكتيكية”؛ بل المؤلف الذي يسطر سطور سيرورة الثورة الاجتماعية هو “الصراع الطبقي” نفسه.. وقائدها هو الذي يمكن أن يعطي الطبقات الاجتماعية، والفئات الاجتماعية، والحركات الاجتماعية الأخرى محتواها في الصراع الطبقي، أيّ محتواها في السياسة. الآن، ولسخرية القدر، فقط يمكن لبقايا الأحزاب الشيوعية البائدة أن تعطي اليوم هذه الحركات الاجتماعية محتواها السياسي، أعني محتواها في السياسة، لأن وحدها تتموقع في موقعها التاريخي اليوم، أو لأن وحدها التي بإمكانها أن تفهم، أو تعطي، المحتوى السياسي لأن وحدها تفهم، أو يمكنها أن تفهم، “الصراع الطبقي”.

هنا يمكننا نقيم الحد: إذا كانت هذه الحركات الاجتماعية “الهامشية” (بما أنها تعبر دائماً عن ما يسميه غرامشي، وغايتري سبيفاك استخدمت هذا المفهوم بشكل ممتاز، بالـ”هامشية” أو “الهامشي”) لا تدخل بشكل مباشر في “الصراع الطبقي” ولا تجد لنفسها “هوية” طبقية، فإن هذا لا يعني بتاتاً أنها لا تتحدد، في اللحظة الأخيرة، بحركة الصراع الطبقي. إنها دائماً أحد، حتى وإن كانت جاهلة بذلك؛ بما أن موقعها لا يسمح لها هذا الإدراك، آثار الصراع الطبقي.. في اللحظة الأخيرة. هذا يعني بالتحديد أن ممارستها الاجتماعية هي ليست ممارسة، بطبيعتها، طبقية؛ ولكن لا بد منها إدراك الممارسة السياسية في محتواها الكلي، كي تمنح لموضوعها الاجتماعي مضموناً سياسياً، ولتمنح موضوعها السياسي (الذي يجب، في الحقيقة، أن يُمنح لها) مضموناً اجتماعياً.

قلنا: وحدها بقايا الأحزاب الشيوعية يمكنها أن تضفي هذا المحتوى “السياسي”.. لكن لا يمكن أن يحصل ذلك دون أن تكون هذه الأحزاب منظمات شيوعية ديموقراطية جديدة.. منظمات تدرك دورها في التحالف الطبقي وغير الطبقي؛ إن تبدأ من الهامش، وكل الهامشيين الذين يفقدون كل “تمثيل سياسي” لوجودهم، نحو المركز. لن يحدث ذلك أولاً من دون أن يفكر بعض الأفراد المتبقين كعناصر شيوعية، في الأحزاب اليسارية المتعلقة بماضيها، طريقها نحو البعث الثاني للحزب الشيوعي. مثلما كان يفكر القديس بولس البعث الثاني للمسيح حين تفرق الرسل الاثني عشر بعد صلبه؛ البعث الثاني الذي سيبدأ في مكان غير مقرر، الذي عليه- كحدث- أن يتحقق عبر كونية تنظيمية (ما بين اليهود والعموم).. لكن ما الذي سيحقق هذا البعث الثاني غير الكنيسة- المنظمة الطليعية من أجل الفرح الكوني؟ كان على القديس بولس أن يبدأ من الهامش، من العموم؛ وكان عليه أن يبدأ في فراغه ليفكر طريقه نحو المسيح. وعلى الحزب الشيوعي، أيضاً، أن يكون مثل أمير ماكيافيلي؛ مجهول، من دون أصل، من لا مكان، من فراغه بحد ذاته يخرج ليحقق الـ”الحل التاريخي”، عليه – مرة أخرى- أن يجمع كل “الإيطاليين” نحو الوحدة المطلقة للأمة الإيطالية. ولهذا أطلق غرامشي على الحزب الشيوعي مسمى “الأمير الحديث”.

إذا كانت كل الظروف البنيوية تحول دون تحقق هذا البعث الثاني، أو ظهور الأمير الجديد، فإنها الشرط الأساسي لذلك؛ هكذا علينا أن نكون فلاسفة في السياسية، ونفكر ظروف أو شروط، كما فعل أبو بكر الرازي قديماً، تكّون شيء ما من لا شيء؛ كيف يمكن لشيء أن “يحدث” من “الفراغ”؛ كيف يمكن للحدث أن يحدث في حدثيته. إذا كنا في حالة فراغية، شبيهة بفراغية ابن خلدون التكرارية، فهذا يعني أن علينا أن نوالف مما تبقى لدينا؛ إن نجمع أكثر قدر ممكن من الحطام العظيم. تفكير هذه الشروط لا يمكن أن يتم من دون إعادة نظر في مجموعة عظمى من “المفاهيم” الماركسية العلمية وتحليلها وفقاً للبنية الاجتماعية القائمة. فعالمنا اليوم يتميز بميزة لا بد أن تلحق بها ميزة أخرى لا اعتقد تحدث عنها المفكرون الماركسيون: إن الدولة المعاصرة في توسع دائم.. إنها تتوسع في مختلف مجالات الحياة، وبذلك تصبح اجتماعية أكثر فأكثر؛ لم يعد من الممكن أن نتحدث بالمفهوم التبسيطي الماركسي حول الدولة بوصفها “أداة” للسيطرة الطبقية؛ صحيح أنها “أداة”، في نهاية المطاف، ولكن لا يمكن أبداً اختزالها كذلك عبر اعتبارها “أداة” يمكن للطبقة المسيطرة التلاعب بها كيفما وحيثما تشاء. على تعبير آلتوسير: إذا كانت “الهراوة” أداة رجل الشرطي فإن عليها أن تكون مستقلة عنه.. عن يده. رغم الاستقلال النسبي للدولة ألا أن لا يمكن اعتبارها “فوق الطبقات” و”فوق كل شيء آخر”؛ إنها فوق الطبقات فقط بشرط أن تتدخل حين عليها ذلك، لكنها أبداً ليست متجاوزة للصراع الطبقي بل أنها نتاجه. كما أن الفكرة القائلة بأن الدولة تتوسع في أغلب مناحي الحياة؛ وأنها تغلق كل الفجوات التي يمكن أن يتغلغل فيها دخلاء غير مرغوب فيهم، ليست جديدة وبولانتزاس هو منظرها.

لكن أتصور لم يحاول أن يقدم أحدهم، أو رأى الضرورة في ذلك، تفسيراً لما هي الدولة كذلك من وجهة نظر التناقض السياسي نفسه؛ إذا كان التناقض المسيطر في كل بنية اجتماعية هو التناقض السياسي، وبذلك في حركتيه: الإنجذابية والانتباذية، فإن عصرنا الآن يمتاز بأسلوب سيطرة طبقية لم تشهده البشرية من قبل؛ أسلوب فيه تمكنت الطبقات المسيطرة (وفئاتها المهيمنة) من انتباذ التناقض المسيطر من محوره الأساسي بشكل متطرف، وهذا ما عبر عنه مهدي عامل بـ: “مظهر رئيسي يحجب حقيقته السياسية الطبقية”- وهذه الحقيقة ليست جديدة، بل الحركة الانتباذية، التي هي هي أثر السياسة نفسها رغم أنها تظهر بمظهر غير سياسي، هي الحركة الضرورية لأي بنية اجتماعية حيث تتراصف فيها المستويات البنيوية بشكل تراكبي. لكن أشدد على كلمة: متطرف؛ إذا كانت هذه الحركة الشكل الطبيعي لأثر الممارسة السياسية للطبقات المسيطرة في تأبيد السيطرة الطبقية هذه، فإن ما نشهده اليوم هو ما يمكنني أن أطلق عليه، وإن كان اختياري اللغوي هو اختيار متعجل ومؤقت، بـ” الانتباذ المطلق”. في الانتباذ المطلق يتجاوز التناقض المسيطر انزياحه، عبر التحديد المضاعف، من مستواه الأساسي إلى مستواه التبعي أو الآخر؛ يتجاوزه، كفعل للسياسة نفسها، عبر ما يبدو بأنه اجتثاث-السياسة نفسها. كما لو كانت الحقيقة المحجوبة للمظهر الرئيسي يتم خفتها وطمسها إلى حالة من السكون؛ مثلما تبطئ دقات قلب المرء إلى حالة بطيئة جداً لدرجة من يراه يعتقد أنه ميتاً بالفعل؛ جسده الشاحب والبارد وسكونه المطلق لا يوحي بأية حياة. الانتباذ المطلق هو إذن فعل الصراع الطبقي (بما أن السياسة هي هي الصراع الطبقي) لاجتثاث الصراع الطبقي، لإبعاده بقدر الإمكان عن محوره الانجذابي، عن محوره الأصلي. هكذا يمكن ان نشهد على ذلك في التركيبة الاجتماعية  (الاقتصادية، والسياسية، والايديولوجية) للطبقات المعاصرة وكيف كان تشكيل الطبقة البورجوازية الصغيرة الجديدة، على سبيل المثال، بدءاً من بعد الحرب العالمية الثانية، يعود إلى قمع الطبقة العاملة وإلجام حركتها؛ الطبقة البورجوازية الصغيرة الجديدة طبعاً لا تنتمي إلى الطبقة العاملة، كما تصور مهدي عامل خطئاً، بل وجودها يرجع إلى حركة نمط الانتاج الرأسمالي في إعادة الانتاج بشكل موسع؛ حيث فيها نجد النزعة نحو غلبة رأس المال الميت على الحي في التركيب العضوي لرأس المال، وبذلك النزوع نحو هبوط معدل الربح، وبذلك توظيف رؤوس الاموال في قطاعات غير منتجة. لهذه العملية جانبها الاقتصادي، والسياسي، والأيديولوجي.. أو قل: أنها تتحدد بشكل مضاعف عبر هذه الجوانب. لم يؤدِ ذلك إلى ضعف الطبقة العاملة وتضاؤلها المستمر وحسب، بل أدى أيضاً إلى ضعف الصراع الطبقي بشكل عام؛ ضعف الصراع الطبقي هو بنفسه أثر للصراع الطبقي. هكذا أدت الممارسة السياسية للبورجوازية إلى وضع طبقة ضخمة جداً غير منتجة، ومحايدة، في الأبنية الاجتماعية الرأسمالية لتوسع الهوة ما بين التناقض الرئيسي ما بين: الطبقة العاملة والبورجوازية. وبما أن وجود الطبقات بحد ذاته هو هو صراع طبقي فإن وجودها نفسه قد أضعف؛ وبذلك أضعفت الطبقة الثورية بحد ذاتها. إذا كان الصراع الطبقي هو محرك التاريخ، فإن التاريخ الآن في حركة دائرية بطيئة جداً؛ وهذا هو غاية الممارسة السياسية للطبقات المسيطرة.

هذا لا يعني إطلاقاً أن الطبقات (وصراعها- حيث للصراع الطبقي أولية على كل شيء آخر) قد اختفت، بل أن هذا الانتباذ المطلق هو فعل الصراع الطبقي نفسه، أيّ مظهر يجتث السياسة عبر السياسة نفسها. الفكرة هي أن عالمنا اليوم موصد من كل جانب، مجتث ومنزوع من السياسة كلياً.. عبر السياسة نفسها. الدولة، بطبيعتها الآنية، متوسعة في كل مجالات الحياة.. مغلقة كل الأبواب بشكل محكم، رغم أن هناك فجوات يمكن الدخول منها؛ حيث لا تتمكن أبداً من الإحكام على كل الفجوات الموجودة؛ ففي الهوامش نفسها توجد هذه الفجوات.

الآن نحن في هذا الفراغ المطلق؛ وتقع المسؤولية على الحزب الشيوعي، الأمير الحديث، المهمة الفلسفية في أن يتدخل سياسياً، والمهمة السياسية في أن يتدخل فلسفياً؛ كما تصور لينين في فراغه وعزلته في سويسرا، عامين قبل الثورة، قارئاً ودارساً كتباً فلسفية بحته لهيغل، وكانط، وفويرباخ. على هذا الأمير الجديد أن يبعث ثانية؛ عليه أن يعطي كل المشاركين (الهوامش/العموم) محتواهم السياسي؛ لا يلقنهم لا يدرسهم، ولا يعاملهم بشكل استعلائي.. باحترام وجودهم وكينونتهم وهويتهم الخاصة؛ يضيء لهم الطريق ويرشدهم مثل رؤى القيامة العظمى للقديس بولس: الراعي الذي يحول الخراف السود إلى خراف بيض، عبر لمسهم واحداً تلو الآخر، نحو الخلاص. هكذا النداء هو: زماننا هو زمان الفلسفة؛ زمان الصراع الطبقي في الفلسفة؛ بل زمان أن نكون فلاسفة في السياسة، وسياسيين في الفلسفة؛ عبر الفلسفة نصل إلى البعث الثاني.. صدى هذا النداء لا بد أن يصل إلى مبغاه، وكل وجهات وصوله هي هي مبغاه؛ إن كانت الأحزاب الشيوعية المنتهية صلاحيتها وإن كان الشيوعيون القابعون فيها يريدون الخلاص والاستمرار في الحياة؛ إن ينهضوا من موتهم أعني؛ عليهم أن يستجيبوا للمهمة القدرية التي وضعتها لهم عجلة الحظ؛ عليهم، عليهم، ذلك وإلا سيكونوا، بل أنهم كذلك، كما قال آلتوسير يوماً: الأحياء الموتى.

 

لينزل ملاك التاريخ علينا، لينزل من السماوات ويتلو علينا الكلمات التنبؤية التي سمعها فالتر بينيامين:

(( هناك لوحة لبول كلي اسمها “الملاك الجديد”؛ تصورُ هذه اللوحة ملاكاً يبدو أنه يبعد نفسه عما يحدق فيه بشكل مطول. عينا الملاك مفتوحتان بإتساع، فمه مفتوح تماماً، وجناحيه منفردتان. لا شك أن ملاك التاريخ يبدو هكذا بالضبط؛ دائم التحديق نحو الماضي. وبينما نحن نلاحظ سلسلة الحوادث، هو لا يرى سوى كارثة واحدة مكدساً بشكل متزايد كوم البقايا على بعضها البعض فوق رجليه. وقد يقف للحظة بتأني، ليبعث الموتى ويجمع ما هُدم فعلاً. لكن تنفخ الجنة عاصفة عظمى لا يجد الملاك نفسه إلا وسطها عاجزاً عن ضم جناحيه ببعضهما البعض بسبب قوتها الشديدة. تدفعه العاصفة قهراً إلى المستقبل، الذي هو وراء ظهره، بينما تتطاير كوم البقايا في السماء أمام عينيه. ما نسميه بالتقدم هو هو هذه العاصفة.))

(فالتر بينيامين، حول مفهوم التاريخ، 1940)

*كاتب من البحرين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s