أغاني لوركا الغجرية.. رقصة الحب والحرية

222222

وئام مختار

“عرفتُ أني قد قُتلت

فتشوا المقاهي والمقابر والكنائس

فتحوا البراميل والخزانات

استباحوا ثلاثة هياكل ليسلبوا أسنانها الذهبية

لم يجدوني

أتراهم لن يجدوني أبدًا؟

نعم! لم يجدوني أبدًا!“

هكذا تنبّأ لوركا لنفسِه، وهذا بالضبط ما حدث، فلا تُعرف حتى اليوم رواية مؤكدة واحدة لمقتل الشاعر الكبير، كما لم يُعثر على جثّته، لكن تم العثور على دواوينه الرائعة ولله الحمد، وترجمة أعماله الكاملة إلى العربية، ومنها قراءتنا اليوم لديوان “الأغاني الغجريّة”، الذي ترجمه إلى العربية عبد الهادي سعدون، الكاتب العراقي المقيم في مدريد، وصدر في طبعة جيّدة من  صفحة 112 ضمن “سلسلة المائة كتاب”، التي تصدر عن “الهيئة العامة لقصور الثقافة” بمصر، ويرأس تحريرها الشاعر والمترجم المصري رفعت سلّام.

غلاف الكتاب

ولد فيديريكو غارثيا لوركا في إحدى قرى سهل غرناطة في الخامس من يونيو عام 1898، اسم القرية “فونتفكيروس” أو بحر البقر بالعربيّة، بدأ لوركا دراسته الجامعية التي لم يُكملها في غرناطة، فقد كانت المقاهي ما يثير اهتمامه، حيث يجلس بالساعات متحدثاً مع الأصدقاء، أو يخرج إلى بساتين غرناطة مستكشفاً الثقافات والتقاليد التي كوّنت الريف الأندلسي القديم، منجذباً إلى الغجر، الذي قّدّر له ولهم، أن يكونوا أحد عناصره الفنية الرئيسة، وأن تدخل موسيقاهم في خلايا تكوينه، ليتعلم العزف على البيانو والجيتار، ويهتم بأغانيهم وكلماتها، والتقى في تلك الفترة بـــــ”مانويل دي فايا” الذي أصبح صديقه وأستاذه، والذي شجعه وأخذ بيده في جمع الأغاني الفولكلورية وتوليفها موسيقيًا.

نشر لوركا ديوانه الشعري الأول “كتاب القصائد” عام 1921 دون أن يثير الانتباه خارج دائرته، كان على أصدقائه الأدباء أن يدبروا خططًا لكي يستلّوا منه قصيدة لينشروها في إحدى دورياتهم، ومع أنه كتب قصائد كثيرة بعد عام 1921 غير أن ديوانه الثاني “الأغاني الغجرية” لم يظهر حتى عام 1928.

ينحاز لوركا الرقيق إلى عوالم المهمشين، سواءً في أسبانيا أو في بلدان العالم، ويتخذ موقف المُدافع عن السود والنساء والغجر والضحايا بصفة عامة، وفي ديوان “الأغاني الغجريّة”، يركز على عالم الغجر وحياتهم وطقوسهم وعاداتهم وطباعهم، ويسرد حكايات بعضها واقعية حدثت لهم في أسبانيا، وأخرى ذات طابع خرافي أو تاريخي يستلهم منه القصيدة.
“يا صاحبي، أين هي
أخبرني أين هي طِفلتك المُرّة
كم من مَرّة انتظرتك

وكم من مَرَة ستنتظرَك

بوجهها النضر، وشَعرها الأسود

في هذه الشرفة الخضراء

فوق وجه الجب

تترنح الغجرية

لحم أخضر، شعر أخضر

وعينان من فضة باردة.

كتلة جليد قمري

تسندها فوق المياه“.

  • من قصيدة “أغنية مُسرنمة”

تأتي “أغنية مُسرنمة” من قلب التراث الأسباني، وتظهر فيها كُل عناصر شعر لوركا تقريباً من إثارة، وحسيّة، وميثولوجيا غجريّة، وحذر من الموت، ولون أخضر!

تميل لغته دائماً إلى الغنائية والمشهديّة والانغماس في الأجواء الإسبانية والأندلسية، وتتسرب إلى القصائد  أحياناً كلمات عربية، ولعل من المهم هنا قراءة مقدّمة المترجم عبد الهادي سعدون، فهو في حوالي عشر صفحات، يطرح قضايا مهمة في أدب لوركا وحياته، ويحاول أن يجيب عن الغموض الذي يحيط بقصة مقتله، بجمع الأقوال المتعددة والموازنة بينها، فثمة أسباب واهية ومنها كونه معارضاً أو يسارياً، وثمة أسباب لها وجاهة منها: الحرب الأهلية الشرسة العمياء، أو الخلافات العائلية.

ثم -وهو المهم- يتناول المترجم النص بالدراسة النقدية، فيقول إن “لوركا جارَى النمط الشعري المعروف منذ العصور الوسطى بـ “الرومانث”، ومنتخباته الشعرية المعروفة بـــ”الرومانثيرو”. والرومانث نوع من القصائد ذات الطابع التقليدي الشعبي، الخاص بإسبانيا وشبه الجزيرة الأيبيرية وبلدان أميركا اللاتينية الناطقة بالإسبانية، وتوضح المقدمة خصائص هذا النمط وما قام به لوركا من دور في تطويره.

تتحدث المقدمة بعد ذلك عن الترجمات المختلفة للديوان لافتة إلى أن الحديث سيكون عن الترجمات الكاملة، أو المجتزأة ما دامت نشرت في كتاب، وذكر منها أربع عشرة ترجمة تضمنت في ثناياها ترجمة الديوان أو بعض قصائده. ويوضح المترجم أنه اعتمد على طبعات عدّة من “الأغاني الغجرية” للاستفادة من تفسيراتها وشروحها للخروج بترجمة جيدة باللغة العربية تقترب من روحية وأجواء لوركا الشعرية.

قصائد الديوان الـ18 متوسطة الطول، مُقسّمة إلى مقاطع أحياناً ترد مرقمة مثل قصيدة “القديس سان غابرييل”، أو مُرقمة ومعنوَنة مثل قصيدة “استشهاد القديسة سانتا أولايا” أو معنونَة فقط مثل قصيدة “سخرية من السيد بيدرو ممتطياً جواده”، أو من دون ترقيم أو عنونة ويكتفي بفاصل بياض مثل قصيدة “أغنية القمر”، وفي نهاية الديوان هناك “إضاءات” على الأسماء والشخصيَات والأحداث التي ورد ذكرها في القصائد، لتلمُّس المزيد من روح النص.

“تأتي برثيوسا, ضاربةً

على قمرٍ من الرِّق

عبر درب برمائيّ

من بلُّور وورق غَار

الصمتُ بلا نجوم

هارباً من الصوت الهادر

ويسقُط حيث يخفق البَحر،

ويغنِّي ليلُه الملئ بالأسماك“

تزخر القصائد بالألحان الشعبية الراقصة، والرعشات، مع الألوان التي تنضح بحُبٍ للأرض والحياة، وشوقٍ للحُب القوي، رُبما يكون معنى “العشق” هنا مزيج بين الأصول العربيّة والإسبانيّة، وفي هذا السياق يقول “لويس باور” مؤلف كتاب شعراء اليوم (1947):

“لم تكن أغانيه الغجرية إلا تكملة للأزجال المغربية التي كانت تغنى في “غرناطة” في الحقبة التي جعل فيها العرب من الأندلس أجمل مملكة“.

ويضيف مترجم مسرحية “عُرس الدم” قائلاً:

“إن لوركا هو أول من جمع بقايا هذه الأزجال، وأضفى عليها شكلها الفني، المتكامل“.

لقد أثّرت هذه الألحان في قلب صاحب ديوان “الأغاني الغجريّة” الذي استوحى فيه قصص الحب التي كانت شائعة في إسبانيا القرن الخامس عشر، وتعددت المفردات التي تحمل روح الغجر الحُرّة الرحّالة في قصائده.

لقد تأثر شعراء عرب كثيرون بلوركا، أوّلهم درويش الذي تأثر بقصيدته الشهيرة “أغنية مُسرنمة”، وظهر تأثره بشكل جلي في كتابته لـ”جداريّة”، وكذا سعدي يوسف الذي ترجم له، وأيضاً عبد الوهاب البياتي، وإبراهيم نصر الله، وسميح القاسم، وبقيت الأجيال الجديدة من الشُعراء والغاوون، يحبّون الأغاني الغجريّة أكثر، احتفاء بالانطلاق والعشق والرقص وحُب الدنيا حتى الثُمالة في كلماته، وروح التمرّد ضد السُلطة، وضد محاولات صبغ الحياة بلون واحد، وسعياً وراء دراما قويّة، تحمل في طيّاتها قصصاً مُركّبة وعظيمة في علاقتها بالقدر والموت والطبيعة والترحال.

“المدينَة الكبيرة تضطرم

بعيدةً،

ورجلٌّ مضَى يبكِي

في أراضٍ عميقة

نجمةٌ في الشَمال

وفي الجنوب: بحَّار“.

هكذا مضى لوركا بحّار تبكيه سفن الحرية والجمال.

منقول عن صحيفة التقرير

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s